عمر السهروردي

29

عوارف المعارف

وقال ابن عطاء : هو القلب الذي يلاحظ الحق ويشاهده ولا يغيب عنه خطرة ولا فترة ، فيسمع به ، بل يسمع منه ، ويشهد به ، بل يشهده ، فإذا لاحظ القلب الحق بعين الجلال ، فزع وارتعد ، وإذا طالعه بعين الجمال هدأ واستقر . وقال بعضهم : لمن كان له قلب بصير يقوى على التجريد مع اللّه تعالى ، والتفريد له ، حتى يخرج من الدنيا والخلق والنفس ، فلا يشتغل بغيره ، ولا يركن إلى سواه ، فقلب الصوفي مجرد عن الأكوان ، ألقى سمعه ، وشهد بصره . فسمع المسموعات ، وأبصر المبصرات ، وشاهد المشهودات ، لتخلصه إلى اللّه تعالى ، واجتماعه بين يدي اللّه . والأشياء كلها عند اللّه ، وهو عنده ، فسمع وشاهد ، فأبصر وسمع جملها ، ولم يسمع ويشاهد تفاصيلها ، لأن الجمل تدرك لسعة عين الشهود ، والتفاصيل لا تدرك لضيق وعاء الوجود . واللّه تعالى هو العالم بالجمل والتفاصيل . وقد مثل بعض الحكماء تفاوت الناس في الاستماع وقال : إن الباذر خرج ببذره فملأ منه كفة ، فوقع منه شيء على ظهر الطريق فلم يلبث أن انحط عليه الطير فاختطفه ، ووقع منه شيء على الصفوان وهو الحجر الأملس عليه تراب يسير وندى قليل فنبت ، حتى إذا وصلت عروقه إلى الصفا لم تجد مساغا تتنفذ فيه فيبس . وقع منه شيء في أرض طيبة فيها شوك فنبت ، فلما ارتفع خنقه الشوك فأفسده واختلط به ، ووقع منه شيء على أرض طيبه ليست على ظهر الطريق ولا على الصفوان ولا فيها شوك فنبت ونما وصلح . فمثل الباذر مثل الحكيم ، ومثل البذر كمثل صواب الكلام ، ومثل ما وقع على ظهر الطريق مثل الرجل يسمع الكلام وهو لا يريد أن يسمعه ، فما يلبث الشيطان أن يختطفه من قلبه فينساه .